الرئيسية / منوعات / اخبار ثقافية / من سلسلة قرأت لك.. ماذا كان يأكل المصريون القدماء؟

من سلسلة قرأت لك.. ماذا كان يأكل المصريون القدماء؟

 


كتب: طارق سالم
نافذة جديدة لم تكن حضارة مصر القديمة مجرد حضارة بناء اقترن ذكرها بما خلفته من صروح معمارية شيدتها قبل آلاف السنين أو مقابر ملوك ونبلاء احتوت على فنون نحت ورسوم وإبداعات أدبية أو نصوص جنائزية بل هي حياة صاغ تفاصيلها صانعوها دون إغفال كل ما ساعدهم في تكوين هذا الكيان حتى عادات الطعام والشراب التي احتلت مكانة بارزة في عقيدتهم وفكرهم ساعدت التربة الخصبة ووفرة المياه النهرية في أرض مصر سكانها على زراعة العديد من المحاصيل الغذائية.

كما أسهما في توفير بيئة حياة لأسماك وطيور جاءت من كل حدب وصوب إلى هذه الأرض فخلقت تنوعا في مصادر الطعام استفاد منه المصري قديما احتل الطعام أهمية في حياة المصريين كما يتضح من إحدى وظائف الملك نفسه والاعتقاد بأن كلماته هي التي تخلق الطعام.

وعرف المصريون زراعة العديد من الخضراوات كالبازلاء والثوم والبصل والخس كما توجد نقوش تشير إلى معرفتهم منذ عصور مبكرة زراعة أنواع من الفواكه كالتمر الذي يعد فاكهة شعبية لعموم السكان إلى جانب فواكه التين والعنب والرمان والبطيخ وهو ما ظهر في نقوش أبنية تعود إلى فترة عصور الدولة الحديثة بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم.

حرص المصري القديم على عدم الإفراط أو اشتهاء الطعام حفاظا على الصحة كما تعمّد إظهار رشاقة قوام الجنسين في نقوشه ومنحوتاته الفنية وتعاليمه الأدبية كما يتضح من نص اطلعت عليه بي بي سي مدون في تعاليم شخص يدعى كاجمني ترجمتها إلى الفرنسية كلير لالويت أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس سوربون في دراسة خاصة ضمن سلسلة نماذج الفكر العالمي لمنظمة اليونسكو تحت عنوان نصوص مقدسة ونصوص دنيوية للنص المصري القديم .

إذا جلست مع أناس كثيرين لتناول الطعام فانظر إلى الطعام بلامبالاة وإن كنت تشتهيه فإن ضبط النفس لا يكلف الإنسان أكثر من لحظة وعار أن يكون الإنسان شرها فقدح من الماء يروي الغلة وأكد المصري على ثقافة الاعتدال في وصية شخص آخر يعرف باسم خيتي بن دواوف لابنه بيبي.

حيث يقول: كن قنوعا بطعامك لو كان يكفيك ثلاثة أرغفة وقدحان من الجعة فإن لم يكف بطنك فحاربها ولا تساعد ندرة المصادر التاريخية في تقديم وصف تفصيلي لطرق طهي المصري لطعامه منزليا إلا أنه يمكن تقسيم الطعام إلى قسمين اعتمادا على بيئة استهلاكهما وهما: طعام الدنيا وطعام الآخرة لم يكن طعام المصري القديم في حياته اليومية مجرد إشباع لحالة من الجوع بل كان يستعين ببعض هذه الأطعمة في صياغة وصفات طبية تساعده في التغلب على وعكات صحية وأمراض وهو ما يتضح من توافر عدد من البرديات الطبية التي كُتبت لهذا الغرض تحديدا أشهرها بردية إيبرس نسبة إلى مكتشفها العالم الألماني إيبرس عام 1862 في مقابر طيبة والتي تعود إلى عام 1550 قبل الميلاد في عهد الملك أمنحوتب الأول الأسرة 18.

حيث تضم مئات الوصفات الطبية الشعبية من بينها وصفات استعانت بأعشاب طبية ونباتات عطرية وخضراوات كالبصل ونباتات أخرى كالصبار كما توجد برديتان على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال هما بردية هيرست التي تعود إلى عهد الملك أمنحوتب الأول وتحتوي على 260 وصفة طبية وبردية برلين التي تعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني الأسرة 19 وتحتوي على 204 وصفات طبية فضلا عن برديات أخرى مثل إدوين سميث وشستر بيتي استعان المصري قديما بخيرات جادت بها أرضه الزراعية إلى جانب الغذاء لتقديمها خلال الاحتفال بأعياد مختلفة.

وقسمها علماء دراسات تاريخ مصر القديم إلى أعياد رسمية مثل عيد الفيضان وبداية المواسم وعيد بداية السنة الجديدة وأعياد محلية وهي أعياد تقام في أقاليم مصرية محددة وأعياد دينية مثل عيد أوبت الكبير لموكب الإله آمون وأعياد زراعية مثل أعياد وفاء النيل وشم النسيم الذي اشتهر منذ آلاف السنين حتى الآن بتناول أطعمة مثل البيض والسمك المملح والبصل وعيد حرث الأرض وعيد الإلهة رننوتت ربة الحصاد.

فضلا عن المناسبات الجنائزية اهتم المصري بعيد أوبت الديني الشعبي الكبير على سبيل المثال الذي كان ينتقل فيه الإله آمون الإله الرسمي للدولة بحسب المعتقدات الدينية المصرية في عصور الدولة الحديثة وفقا لتقسيم تاريخ مصر القديم من معبده في الكرنك إلى معبد الأقصر وكان الملك يقدم خلال هذه المناسبة الشعبية القرابين المكونة من اللحوم والطيور والفاكهة واللبن والخبز والجعة وقد تساعد محاولة تقسيم طبقات المجتمع في مصر القديمة في تسليط الضوء على العادات الغذائية التي تميزت بها كل طبقة من طبقات المجتمع كان طعام طبقة البسطاء من الشعب كالفلاحين وهم الطبقة الكادحة في أرض البلاد والأكثر فقرا يعتمد على وجود الخبز والجعة وبعض الأطعمة البسيطة من الخضر.

أما عن تناول لحوم الحيوانات فكان هؤلاء الفلاحون يؤثْرون الحقل ورعاية تلك الحيوانات التي تساعدهم في أعمالهم الزراعية على الاستمتاع بتناول لحومها لذا عمدوا إلى ما يعرف بترشيد الاستهلاك لصالح مصدر رزقهم أما الطبقة الوسطى التي تمثل عمال البناء وجماعة الحرفيين فكانت أوفر حظا مقارنة بالفلاحين إلى حد ما إذ اعتمدت أعمالهم على ما يعرف بنظام توزيع المؤن اليومية التي تنوعت فيها الأطعمة بين لحوم وأسماك إلى جانب الخضر ويشير إلى ذلك ما كشفت عنه أعمال التنقيب في مقابر عمال بناء الأهرام في منطقة الجيزة، حيث عثرت على بقايا أطعمة من بينها هياكل أسماك كانت توزع على العمال أثناء أداء مهام عملهم.

وعن الطبقة العليا وطبقة النبلاء وهي الطبقة المترفة في المجتمع تنوعت صنوف الطعام بين اللحوم والأسماك والطيور والخضراوات والفاكهة من أجود الأنواع وكذا الخبز والفطائر والمشروبات وعلى رأسها النبيذ كما يتضح من نقوش مقابر نبلاء الدولة على مر العصور وأبرزها نقش في مقبرة الوزير بتاح حتب في عهد الملك جد-كا-رع في الأسرة الخامسة جالسا أمام مائدة قرابين عامرة بكل ما لذ وطاب يشرب قدحا من الماء الطاهر وأمامه الخدم والكهنة يذبحون الماشية ويحملون الأطعمة الطازجة بينما يوجد نقش علوي لخادمات يحملن الأطعمة.

ربط المصري قديما بين عاداته الغذائية والدين الذي اهتم به منذ أقدم عصوره كظاهرة اجتماعية يحتاج إليها كل تجمع بشري بما يخدم ضبط سلوكه وقواعد تعامله مع الآخرين في بيئته اليومية فكان إحساسه بوجود قوى خارقة وراء ظواهر اعتمدت عليها حياته وأثرت فيها سببا وراء تنوع الآلهة لامتلاك كل إله قوة خفية تفوق قدرة الإنسان فحرص على تقديم أطعمة خاصة لهذه الآلهة في شكل قرابين بغية استرضائها وطمعا في حمايتها له من شرور الحياة.

وتعددت مهام هذه الآلهة في النظام اللاهوتي المصري كما ارتبط بعضها بأنواع مختلفة من الطعام مثل الإله نبري الذي اتخذه المصريون ربا للقمح المحصول الرئيسي في البلاد والألهة رننوتت ربة الحصاد وسيدة الحقول والإله شسمو رب النبيذ والإلهة حات-ام- حت ربة الثروة السمكية إلى جانب الإله حعبي إله النيل والفيضان رمز كل عطاء للخيرات في هذا البلد اعتاد المصريون تقديم قرابين الغذاء للآلهة في المعابد.

وكانت بمثابة عبادة دورية شبه يومية تتألف من الخبز والفواكه واللحوم وهي أطعمة أساسية كان يعتمد عليها الكهنة والعاملون في المعبد وكان يشترط التطهْر أثناء تقديم هذه القرابين من الأطعمة كما يشير نص يعود إلى عصر الدولة القديمة: كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقيا ويتطهر كما يتطهر عند دخوله معبد الإله الكبير إقرأ أيضا هل عجلت رحلة شامبليون إلى مصر بوفاته آمن المصريون قديما بأن الآلهة مثل البشر تحتاج إلى طعام وشراب لذا كان من بين شعائرهم الدينية تقديم.

 

شاهد أيضاً

الليلة.. منصة “كتبنا” تنظم حفل توقيع «ديكور» لمحات من حياة الكادحين

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *